Uncategorized

سحر اللغة الصامتة في “الوصمة البشرية” عربيًّا

تجتاز عمليةُ الترجمة في العالم العربي مخاضاً دقيقاً خصوصاً في علاقتها بأوروبا وأميركا، حيث تتراكم منجزات تلك الثقافات بفرعيها: الفرنكوفوني والأنغلوساكسوني. ومع هذا التراكم تلحّ الحاجةُ إلى حركة ترجمة واعية، لنقل ثمار الفكر الحديث، ولا سيّما في ميدان الثقافة الأدبية والدراسات الإنسانية. وهو ميدان يعاني مقداراً كبيراً من الجدب والإمحال في الترجمة في العقود الأخيرة التي شهدت رحيل المترجمين الكبار الذين أحسنوا التعامل مع النص الأدبي الأوروبي.

من هنا تأتي أهميةُ ترجمة رواية الأميركي المعروف فيليب روث التي تتسم بالعمق والاكتناز والدسامة، وتعدد مستويات الأداء اللغويّ وخرائطه داخل النص. ونجد أنّ الصعوبات المركبّة في ترجمة مثل هذا العمل تكمن في عملية نقل هذه السمات من إنكليزية «روث» الأميركية الساخرة، المتعددة المستويات، إلى عربية سلسة رصينة ذات ألقٍ وقدرة على ترجمة هذا النبض وعلى تجسيد هذا التعدد الطيفيّ المُبهر.
هكذا تكتسب ترجمة الشاعرة والكاتبة فاطمة ناعوت لهذا النص الضخم (600 صفحة تقريباً) أهمية كبيرة من زاويتين، أولاهما: كسر حالة الجمود التي طغت على حركة ترجمة النصوص الروائية الأميركية الرفيعة، وثانيتهما: ظهور هذه الترجمة في وقت تفجرت فيه موجة الدراسات الأسلوبية المعاصرة بسخائها المدهش في تقليب الظاهرة اللغوية على كل وجه.
 
جدلية اللغة
ومَن يُتح له الاطلاعُ على روايات روث يدرك جيداً أن العنصر ذا البطولة المطلقة في نصوصه هو «اللغة» التي يمكن أن تتسامى إلى مستويات واغلة، من الكثافة الغنائية ذات الروح الشاعريّة المخمليّة الشفيفة. وهذه اللغة نفسها يمكن أن تنزلق – على ألسنة الأبطال الشعبيين البسطاء – إلى لغة حوشية ذات طابع سوقي مُهاتِر. إلاّ أنّ المترجمة نجحت في أن تتحرك بين المستويين بتوطئة مسوغة، ورشاقة ملحوظة، من دون أن تصدّعَ قشرةَ النصّ، أو تؤثّر في سلامة تماسكه. واضطرت المترجمة لأن تتعامل، بمهنية ملحوظة في الأداء الترجميّ، مع نحت روث المتجاوز للأداء اللغوي، من قبيل تحويل الضمير النحوي إلى «المصدرية»، كما في لفظة (theyness)، المؤلفة من وحدتين: (they)، و(ness)، وهذا النمط من النحت يحتاج من المترجم إلى لغة عربية شديدة الصفاء والدقّة، مع التوسّع الدلالي، لنقل شحنة الدلالة ومغزاها العام، على نحو ما صنعت حين كتبت: «لكي يخمِّن، مذهبيًّا وروحيًّا، مدى كوني «هُم» التي لا تُغتفَر» ومن هذه الأمثلة الشيء الكثير. وثمة صعوبة أخرى حين نعيد النظر في طبيعة الشخوص الروائية وخصوصاً هذا الجار الأكاديميّ الغامض «كولمن سيلك»، فالأشخاص ذوو ثقافة أكاديمية وأدبية واسعة لا بد من أن يظهر مستواهم الفكري في منطقهم اللغوي. وهنا استطاعت المترجمة في أن تجسّد هذه السمة الاجتماعية الطبقية لأبطال الرواية عبر أدائها اللغوي العربي الجامع بين «الفحولة» و»السمة الجمالية» عبر السرد الوصفي للشخوص على نحو ما تقول، في وصف امرأة: «امرأةٌ طويلة نحيلة لها شعرٌ أشقرُ رماديٌّ معقوصٌ للخلف في ذيل حصان، ملامحها منحوتة من تلك التي عادةً تميّز أولئك الزوجات الفاضلات المتمسكات بقواعد الكنيسة ممَن بدأن كفاحهن مع البدايات الخشنة الأولى لـ «نيو- إنغلاند» ، نساء المستعمرات الصارمات، المُقيّدات بالتقاليد الأخلاقية الشائعة والمنصاعات لها طوعًا. اسمها «فونيا فيرلي»، وأيًّا ما كانت التعاسات التي واجهتها، فقد ظلّت المرأةُ متخفّيةً وراء وجهٍ عَظميٍّ لا يحمل تعبيرًا ولا يُخفي شيئًا، بقدر ما يشي بالوحدة الهائلة.» (ص 24). وتتقمص المترجمة، بحضور مدهش، بلاغة الإيجاز في طابعها العربي الناصع حين تنقل عبارات روث الساخرة في وصف فضيحة (كلينتون – مونيكا): «رئيس دولة شهواني في منتصف العمر ينضح بالرجولة، وموظفة فاتنة لعوب في الحادي والعشرين من عمرها، يحدث ذلك الإرهاب في المكتب البيضوي كأنما هما صبيّان مراهقان في موقف سيارات ليعيد الحدثُ الفضائحيّ إلى هوى أميركا الشائع القديم، أكثرَ بهجاتها.» (ص 25-26).
وهكذا أيضاً عندما تنقل مقاطع المونولوغ الداخليّ ليتألق الحس الحميمي الدمث حتى نكاد نحسّ مع هذا الدفق السخيّ أننا إزاء نص عربي في نسيجه ولحمته. ويضاف إلى هذه السمات قدرة المترجمة على تكثيف اللغة، وضغط جُملِها كبسوليًّا حين تنقل المقاطع ذات الكثافة الغنائية كما في قولها: «فنهض بريماس من وراء مكتبه، المكتب الضخم المصقول المعتنَى جيدًّا بإخلائه من كل الأوراق والملفات، العاري من كل شيء عدا صورة في إطار لزوجته البروفيسورة الشابة وطفليه، المكتب الذي سطحُه صفحةُ إردواز نقية لا شائبة فيها والذي وحده كان قادرًا على أن يقود كولمن إلى استنتاج أن لا شيء عارضًا أو غير منظّم يمكن أن يقف في طريق ذلك الشاب المفوّه طليق اللسان» (ص 155).
ويُضاف إلى هذه النجاحات في التعامل مع روح النص وأجوائه نجاح المترجمة في نقل الفقرات ذات الطابع المكانيّ، المتّسم بجماليات طوبوغرافية عميقة، على نحو ما نُقل وصف شديد الثراء والسخاء لـ «الحرم الجامعي»، بعلمه المنكّس، وتحليق الغربان في سمائه، وهيكل القاعة الشمالية. (راجع ص 504)
وتضطر المترجمة، تساوقاً مع أجواء النص، إلى الأداء اللغوي المفعم بالحمولة التراثية، كما في قولها: «شخصُ منزوٍ في إزار بنيّ.» (ص 612)، أو قولها: «…فكّرتُ أن أولّي وجهي شطر الطريق.» (ص 612). وهكذا يتقافز الأداء اللغوي، ببراعة، ويُلبّس لكل حالة لبوسَها. وغنّي عن البيان أن هذه السمات الفنية في لغة الترجمة لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا مع سلامة اللغة وخلوها من مظاهر اللحن والخطأ، أو ركاكة الأساليب، وهناتها، فضلاً عن أقلمة النص بالروح العربي، أجواءً وذائقةً، وهو ما أنِسْناه بقوة في هذا النص، حين نقل لنا مرحلة زمنية ثرية من تاريخ أميركا، منذ خمسينات القرن الماضي إلى الآن، فأحسسنا حقًّا أننا تمثّلنا تلك الحقبة من خلال لغة النص الروائي للكاتب الأصلي (روث)، ومن خلال براعة ترجمة «روح النص» وسحرها، أو «اللغة الصامتة»، كما أسماها إدوراد هول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق